الشيخ السبحاني

54

حكم الأرجل في الوضوء

8 - ما روى عن عبد اللّه بن عمرو في الصحيحين ، قال : تخلّف عنّا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في سفرة سافرناها ، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا ، فنادى بأعلى صوته : « ويل للأعقاب من النار » مرتين أو ثلاث « 1 » . والعجب أنّ القائلين بالغسل يستدلّون بهذه الرواية عليه ، مع انّها على تعيّن المسح أولى بالدلالة ، فإنّها صريحة في أنّ الصحابة يومذاك كانوا يمسحون ، ومن المستحيل جدا أن يخفى عليهم حكم الأرجل ، مع أنّ الوضوء كان مسألة ابتلائية لهم كل يوم ، فهل يصح أن يجهلوا حكم مثل هذا ؟ ! وأمّا إنكار النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فهو لم ينكر المسح ، بل أقرّهم عليه ، وإنّما أنكر عليهم قذارة أعقابهم ، ولا غرو فإنّ فيهم أعرابا حفاة جهلة بوّالين على أعقابهم ، ولا سيما في السفر فتوعّدهم بالنار لئلّا يدخلوا في الصلاة بتلك الأعقاب المتنجسة . وبذلك يعلم أنّ ما أطنب به ابن جرير الطبري لا طائل تحته حيث قال : الدليل على ذلك ( الغسل ) تضافر الأخبار عن رسول اللّه انّه قال : « ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار » ولو كان مسح « 2 » بعض القدم مجزيا عن عمومها بذلك لما كان لها الويل بترك ما ترك مسحه منها بالماء بعد أن مسح بعضها لأنّ من أدّى فرضا للّه عليه فيما لزمه غسله منها لم يستحقّ الويل ، بل يجب أن يكون له الثواب الجزيل ، فوجوب الويل لتارك غسل عقبه في وضوئه أوضح الدليل على وجوب فرض العموم بمسح جميع القدم بالماء وصحّة ما خالفه « 3 » . يلاحظ عليه : أنّ تفسير المسح فيها بغسل بعض القدم تصرف فيها بلا دليل والظاهر انّ المراد انّهم كانوا يمسحون عليها بنداوة الأكف .

--> ( 1 ) - صحيح البخاري : 1 / 23 ، كتاب العلم ، باب من رفع صوته بالعلم ، الحديث الأوّل . ( 2 ) - يريد من المسح : غسل بعض القدم ، وهو تصرف في الرواية . ( 3 ) - لاحظ المنار : 6 / 230 نقلا عن ابن جرير .